دمشق وقسد على طاولة واحدة: مفاوضات حاسمة بعد لهيب حلب
خاص – نبض الشام
تأتي المفاوضات بين الحكومة الانتقالية السورية ووفد من قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في لحظة بالغة الحساسية، عقب اشتباكات عنيفة شهدتها أحياء في حلب، وسط مساعٍ لإحياء اتفاق العاشر من مارس الذي قد يشكل مفترق طرق في مسار الحل السياسي وإعادة بناء الدولة السورية.
اجتماع مفصلي في دمشق
انطلق اليوم الثلاثاء في العاصمة السورية دمشق اجتماعٌ ضمّ الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني، مع وفد من الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، لبحث ملفات سياسية وأمنية في إطار اتفاق 10 مارس الماضي.
وبحسب وكالة “هاوار” المحلية، تألف وفد “قسد” من القائد العام مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية إلهام أحمد، إلى جانب قائدة “وحدات حماية المرأة” روهلات عفرين.
بحث الملفات السياسية والأمنية
ووفقاً لوكالة “هاوار” المقربة من الإدارة الذاتية، فإن الاجتماع جاء لبحث القضايا الأمنية والسياسية المتصلة بتنفيذ اتفاق العاشر من مارس الموقّع بين عبدي والشرع.
ويأتي هذا اللقاء عقب توترات أمنية واشتباكات في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب مساء الاثنين، إثر إغلاق قوات الحكومة الانتقالية معظم الطرق المؤدية إلى الحيين، ما أدى إلى احتجاجات شعبية ضد الحصار المفروض على المنطقة.
اتفاق مارس.. خطوة محفوفة بالتحديات
يرى مراقبون أن التوصل إلى صيغة تنفيذية لاتفاق 10 مارس قد يجنب البلاد مخاطر انزلاقها نحو حروب أهلية جديدة قد تكون مدمرة، كما يمكن أن يفتح الطريق أمام مرحلة التعافي الوطني عبر حلّ سياسي شامل يعيد بناء سوريا بعد سقوط حكم “آل الأسد” المستمر منذ نحو 54 عاماً.
لكن تنفيذ الاتفاق لا يبدو سهلاً، إذ يواجه عقبات بنيوية وسياسية عميقة تتعلق بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات حقيقية. فالحكومة الانتقالية تعتبره خطوة نحو استعادة السيطرة على كامل الجغرافيا السورية، في حين تنظر إليه الإدارة الذاتية باعتباره اختباراً حقيقياً لمدى التزام السلطة المركزية بمبدأ اللامركزية السياسية والإدارية.
ويبقى المجتمع الدولي – كما تشير المصادر – الطرف الضامن الوحيد القادر على تحويل هذا الاتفاق من مجرد تفاهم سياسي إلى آلية تنفيذ واقعية تمهّد لتسوية شاملة تشمل مختلف القوى السورية.
زيارة أمريكية رفيعة ولقاء مع مظلوم عبدي
تزامن الاجتماع في دمشق مع إعلان المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، عن لقائه القائد العام لقوات “قسد” مظلوم عبدي في شمال وشرق سوريا، برفقة قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر.
وقال باراك في منشور عبر منصة “X” إنه أجرى محادثات جوهرية مع عبدي وعدد من قادة “قسد” حول التطورات الأمنية والسياسية، واعتبر أن الزيارة تمثّل خطوة ضمن رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهادفة إلى “إعطاء سوريا فرصة جديدة نحو الاستقرار”.
وأكد باراك أن “إعطاء البلاد فرصة” يعني تمكين السوريين من توحيد جهودهم لتحقيق السلام والتعاون والازدهار، مشدداً على أن بلاده ستواصل دعم أي مسار سوري-سوري يسهم في تحقيق هذه الأهداف.
كما نشر صوراً له مع الأدميرال كوبر خلال لقائهما ممثلين عن الإدارة الذاتية وقوات “قسد”.
موقف “قسد” من المفاوضات والدور الأمريكي
من جانبه، أوضح مظلوم عبدي أنه ناقش مع الوفد الأمريكي برئاسة باراك الوضع السوري العام، واستمرار جهود مكافحة تنظيم “داعش”، إلى جانب دعم التكامل السياسي والحفاظ على وحدة الأراضي السورية وتهيئة بيئة آمنة لجميع المكونات.
وأكد عبدي في بيان عبر منصة “X” تمسك “قسد” بموقفها الداعي إلى بناء “سوريا موحدة لكل السوريين”، مشيداً بـ”الدور الصادق والفعّال للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمبعوث توماس باراك في دعم مساعي الحل وتحقيق مستقبل أفضل للبلاد”.
يُذكر أن القائد العام لـ”قسد” كان قد وقّع في 10 آذار اتفاقاً من ثمانية بنود مع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، تضمّن دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا، بما في ذلك مطار القامشلي والمعابر وآبار النفط والغاز ضمن مؤسسات الدولة السورية.
اشتباكات حلب.. التوتر يسبق الحوار
وعلى الصعيد الميداني، شهدت الأحياء الكردية في مدينة حلب صباح الثلاثاء هدوءاً حذراً بعد ليلة من الاشتباكات العنيفة بين قوات الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي (الأسايش) التابعة لـ”قسد”، انتهت باتفاق على وقف إطلاق النار.
وأعادت هذه التوترات إلى الأذهان مشاهد مشابهة من المواجهات التي اندلعت سابقاً في السويداء والساحل، وسط مخاوف من تجدد القتال واتساع رقعته في مدينة تعيش على وقع احتقان أمني متصاعد منذ أسابيع.
وقالت مصادر محلية إن أحياء الشيخ مقصود والأشرفية شهدت صباح اليوم عودة نسبية للحياة الطبيعية، مع فتح الأسواق والمحال التجارية أبوابها، وانتشار دوريات أمنية لضمان الاستقرار.
لكن التوتر لا يزال مخيماً على الأجواء، في ظل استمرار تبادل الاتهامات بين الجانبين وغياب موقف واضح من لجان التنسيق المشتركة المكلفة بمتابعة تنفيذ اتفاق آذار.
نحو اختبار حاسم لمستقبل سوريا
إن التطورات الأخيرة – سواء على صعيد الحوار بين دمشق و”قسد” أو التحركات الأمريكية المرافقة – تمثل مرحلة دقيقة في رسم ملامح سوريا الجديدة. فنجاح اتفاق مارس سيعني بداية مسار وطني لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، في حين أن فشله قد يعيد البلاد إلى دوامة الانقسام والصراع.
وبين هذين الخيارين، تبقى الإرادة السياسية للأطراف السورية، والضمانات الدولية، هما العاملان الحاسمان في تقرير مصير المرحلة المقبلة.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




